صالح محسن
دائرة التربية والتعليم بوكالة الغوث الدولية بغزة
إن التلميذ أو أي كائن بشري عندما يقوم يسلوك معين فهو لا يسلك بناء علي مؤثرات وتفاعلات حاضرة فقط وإنما تتفاعل مؤثرات الحاضر مع المخزون المعرفي السلوكي والثقافي وأساليب التنشئة التي قد تمتد إلى بدايات حياتنا الأولى حينما كان طفلاً ودور المثيرات الحالية ما هو إلا استثاره كل هذه التراكمات والخبرات ليتفاعل معها بأسلوبه المميز والخاص به, من هنا نجد الاختلاف والفرو قات في السلوكيات رغم أن المثير واحد.
فالإنسان يتعلم ما يعايشه من بيئته الفيزيقية والثقافية من هنا فانه لتوفير مدرسه آمنه ومحفزه خالية من العنف اعتقد جازما انه علينا الرجوع والانتقال للمجتمع المحلى بجميع عناصره الثقافية والمادية لمحاوله تغيير بعض موروثاته السلبية وتنميه جوانبه الإيجابية والتواصل معه بشكل فعال لمساعدتنا على توفير بيئة مدرسية آمنة ومحفزة.
ومن خلال الخبرة العملية والميدانية أستطيع القول أن جل المشكلات السلوكية وخاصة العنف يأتي الطالب محملاً به ليقوم بتفريغه أو إزاحته على زملائه أو حتى على الأثاث المدرسي أو المعلمين.
ماذا يقصد بالمجتمع المحلى؟ انه المكان الذي يتكون من أناس يقيمون في منطقة جغرافية محدده الحدود , ويشتركون معاً في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويكونون فيما بينهم وحدة اجتماعية ذات تميز دال تسوده قيم عامة ويشعرون بالانتماء إليها .
إذا المجتمع المحلى يشمل، جوانب فيزيقية مادية مثل النوادي - مراكز الخدمات الرياضية والاجتماعية- الصحية – المكتبات- مؤسسات المجتمع غير الحكومية – المساجد – أماكن الترفيه...... الخ، وجوانب ثقافية وتشمل الموروثات الثقافية – العادات والتقاليد – الأفكار والمفاهيم –أساليب حل المشكلات- اللغة – الأمثلة الشعبية... الخ .
وإذا نظرنا إلى ثقافة مجتمعاتنا المحلية فأنها تشترك في غالبيتها في صفات تكاد تكون مشتركة والتي من أهمها: أنها تعزز استخدام العنف والأمثلة الشعبية في هذا المجال كثيرة والتي منها (أنا وأخويه على ابن عمى وأنا وابن عمى على الغريب) أو عندما يأتي ولى الأمر للمعلم ويقول له ( اكسر وأنا بجبر ) أو تعالي ضارب وماتجيش مضروب.
كما أن هناك بعض المفاهيم السلبية المغلوطة حول مشروعية العقاب البدني في الدين والاستغلال السيئ لبعض الآيات والأحاديث دون التعمق النظر إلى الآيات والأحاديث الأخرى والتي تمثل نبراساً ينبغي الإقتداء به في التسامح والعطاء والحب والتقدير والعطف بالإضافة إلى بعض الأمثال التي تكرس الاتكاليه والسلبية ( حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس ) و ( اعمل كتير بتغلط كثير، اعمل قليل بتغلط قليل) بالإضافة إلى بعض العبارات التي يرددها بعض الآباء والأمهات انته أصغير شو بفهمك, أخوك افهم منك أي أن التركيز غالباً ما يكون على السلبيات وليس على الايجابيات,
هذا بالإضافة لثقافة العائلة أو الحزب التي أصبحت تكرس المفاهيم المغلوطة من خلال النظر إلى الذات والأنا أو ذات العائلة واو الحزب دون النظر إلى ذوات الآخرين واحترام أفكارهم ومشاعرهم.
وأصبح قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( انصر أخاك ظالما أو مظلوماً ) يطبق بالنص الحرفي للحديث دون النظر ما فيه من معانٍ سامية.
فإذا ما علمنا أن المجتمع هو نظام متعدد الأنساق وان هذه الأنساق تتبادل التأثير والتأثر إذاً ما يحمله هذا المجتمع المحلى ينعكس بالضرورة على المدرسة وما يمارس على الطالب في المدرسة سواء بالإيجاب أو السلب سينعكس بالضرورة على المجتمع المحلى وسوف اترك موضوع المدرسة وأنشطتها وبيئتها لغيري من الزملاء.
إذا من هنا لكي يتم توفير بيئة آمنة ومحفزة لابد من وجود قنوات اتصال وتواصل وينبغي على المدرسة أن تلعب دوراً فاعلاً في تغيير بعض المفاهيم والمعتقدات الخاصة بالعنف والاتكالية وتأكيد الجوانب الإيجابية المحلية والتي هي كثيرة.
دور المدرسة في تفعيل التواصل بينها وبين المجتمع المحلى
يتركز دور المدرسة في التعرف على طبيعة المجتمع المحلى ومعرفته خصائصه البنيوية والعائلية، والتعرف على الخصائص الثقافية للمجتمعات المحلية الفلسطينية، والتعرف على مراكز التأثير من وجهاء وخبراء والذين يمكن أن يلعبوا دورا مساندا للمدرسة في مشكلاتها، والتعرف على المشكلات التي تواجه المجتمع المحلى والتعامل مع هذه المشكلات بالتنسيق مع مؤسسات هذا المجتمع، وتقدير وتعزيز الدور الذي يمكن أن تلعبه المدرسة في المساعدة على حل المشكلات التي تواجه المجتمع وتلافى وقوع مشكلات مستقبليه.
دور أولياء الأمور في توفير مدرسه آمنه محفزه
ولي الأمر هو الشريك الأساسي للمؤسسات التربوية التي تعد النشء ليكون متقبلا للتطورات المستقبلية متواصلا مع التغييرات لهذا العصر المتسارع ، و من هذا المنطلق فله دور مهم و واضح من خلال التواصل مع المدرسة و التعرف على مستواه و قدراته و توجهاته و قد يسأل السائل : هل ولي الأمر على مستوى من الوعي في أن يستطيع اكتشاف قدرات ابنه و ميوله و استعداداته نحو المدرسة والمجتمع ؟
الإجابة نعم ، فالأسرة هي المدرسة الأولى للطفل فبعد مولده يكتسب الكثير من الثقافة و المهارات و المعارف و الاتجاهات من الوالدين و الأخوة في المنزل ثم يبدأ الجانب الآخر في المحيط الخارجي للمنزل مع الأقران و بعد ذلك المدرسة، و على ولي الأمر أن يعي جيدا أن تربية الطفل في السنوات الأولى من العمر هي المحك الحقيقي و البارز في حياة الطفل و بها ( أي الأسرة ) يمكن أن تعد الطفل ليكون رجل المستقبل و بها يمكن أن يصل الطفل إلى أمراض نفسية و قلق و غيرها من الأمراض التي سوف تحطم هذا الرجل و بالتالي ينشأ متخبطا و الذي يصل به إلى ضعف الأداء و بالتالي الفشل الوظيفي، ويلعب الآباء دور هام في تعزيز الممارسات السلمية بين أبنائهم، وتعميق الحوار والنقاش فيما بينهم، وهناك نموذج عن الممارسات التي يمكن أن يقدمها أولياء الأمور لتخفيف سلوك العنف وتحفيز لأبنائهم، عبر تعليم الأبناء المهارات الاجتماعية ومنها مهارات تأكيد الذات، والعمل على تنميه شعور الطفل بالسعادة فالرجل السعيد لابد أن يكون طفله سعيداً، والابتعاد عن استخدام العقاب البدني، واستخدام أساليب التعزيز والمكافأة، والتركيز على جوانب القوه في شخصيه الطفل.، وعدم المقارنة فيما بين الأخوة فلكل طفل استعداداته وقدراته التي تميزه عن غيره، التركيز على أن التصرفات العدوانية غير مقبولة، وإشباع الحاجات النفسية والمادية بقدر المستطاع لدى الأطفال، و البعد عن تشجيع الأطفال على استخدام أسلوب العنف كوسيلة في حل النزاعات كأن تقول لابنك ( تعالى ضارب وما تجيش مضروب )، والمساواة بين الأبناء في التنشئة والمعاملة، والبعد عن إشعار الطفل بالنقص سواء فيما يتعلق في الجانب التحصيلي أو الجسدي، و البعد عن حل النزاعات الأسرية بين الزوج والزوجة بوجود الأبناء، وإبعاد الأطفال عن مشاهدة نماذج العنف سواء في الحياة الواقعية أو على شاشات التلفزيون وبرامج الأطفال، والبعد عن استحسان سلوك العنف أمام الأبناء، واشتراك الأبوين في ممارسة الأنشطة الحركية والهوايات وتشجيعهم عليها، ومساعده الطفل على تطوير الإحساس بالتعاطف مع الآخرين، وتعليم الطفل احترام حقوق الآخرين بالتصرف في ممتلكاتهم فغالباً ما تكون المشاجرات بين الأطفال حول حقوق الملكية، ومساعده الطفل على بناء مفهوم إيجابي نحو الذات ونحو الآخرين، ومراقبة الأبناء والسؤال عنهم وعن أصدقائهم خصوصاً جماعة الرفاق التي ينتمون إليها وتوجيههم إلى مجتمع الأقران الصالح، وأخيراً البعد عن أساليب التنشئة السياسية أحادية القطب والتحزب الأعمى وإنكار الآخر.